بسم الله الرحمن الرحیم
تعارض العرف و اللغة- الحقیقة اللغویة-الحقیقة العرفیة
القواعد الفقهیة و الاصولیة
الحقیقة الشرعیّة-ایجاد شده توسط: حسن خ
تقريرات في أصول الفقه، ج1، ص: 135
المؤلف: السید عبدالحسین اللاری-تقریرات السید المجدد المیرزا الشیرازی
[فصل فى تعارض العرف و اللغة]
لما كان طريقة تفهيم الشارع بالألفاظ جارية على طريقة عامة الناس في التفهيم بالألفاظ عن مراداتهم و التعبير بها عما في ضمائرهم، و لم يكن له طريق مخترع وراء طريقتهم في ذلك. فلا إشكال في أنه متى استعمل اللفظ فان علم المراد منه حمل اللفظ على المراد و لو كان معنا مجازيا، إذ لا برهان بعد العيان.
و أما إذا لم يعلم المراد منه فإن كان له عرف خاص في تلك اللفظة حملت عليه و لو خالف عرف السائل ما لم يستلزم إغرائه بالجهل، و ذلك لبناء جميع أرباب الفنون و الصنائع في التفهيم بالألفاظ على اصطلاحاتهم الخاصة، و لأن الاصطلاح الخاص بكل متكلم أقرب إلى طبعه و أسبق إلى ذهنه عند إرادة التكلم من الاصطلاح الغير الخاص به، و لدعوى الوفاق و الإطباق على ذلك عن غير واحد من الأعلام.
و ليشهد على صدق الدعوى وفاقهم على أن ثمرة النزاع في ثبوت الحقيقة الشرعية هي حمل لفظ الشارع عند الإطلاق عليها و عدمه، و من هنا يظهر أنه لا وجه لترديد الشهيد «1» قدس سره في وجوب ستر المرأة حال الصلاة جميع بدنها إلا ما استثنى من جهة تعارض اللغة مع العرف الخاص في معنى العورة، حيث إنها في العرف الخاص لمطلق البدن و في اللغة لخصوص القبل و الدبر.
فإن قلت: حمل اللفظ على العرف الخاص بالمتكلم مطلقا يستلزم الإغراء بالجهل في صورة جهل السائل بعرفه الخاص.
__________________________________________________
(1) لم نعثر عليه في كتبه.
تقريرات في أصول الفقه، ج1، ص: 136
قلت: لزوم الإغراء في الصورة المفروضة مطلقا ممنوع، بل إنما هو فيما علم المتكلم جهل مخاطبه، و إلا فلا إغراء به.
و إن لم يكن له عرف خاص فإن كان لتلك اللفظة معنى لغوي فقط أو عرفي عام فقط حملت عليه، كما أنه في صورة العلم بأحدهما و الشك في الآخر حملت على المعلوم بأصالة عدم النقل.
و إن كان لها معنيين لغوي و عرفي عام فإن لم يعلم تغايرهما حملا على الاتحاد لأصالة عدم النقل.
و إن علم تغايرهما فاختلفوا في حملها على أي المعنيين على أقوال و هي المسألة المعروفة بتعارض العرف و اللغة.
و لكن ليعلم أن المراد من تعارضهما في الوجود في زمان الشارع بمعنى أن الشك في كون الموجود في زمان الشارع أي المعنيين ليحمل لفظه عليه، و ليس المراد من تعارضهما تعارضهما حقيقة في زمان واحد، لامتناع ذلك بعد فرض أن العرف العام في كل لفظ فرع هجر اللغة فيه.
و تفصيل ذلك أنه إما أن نعلم سبق العرف المنقول عن اللغة على الاستعمال، أو العكس، أو لا نعلم سبق أيهما على الآخر، سواء علم المقارنة أم شك، و الظن في المقام يلحق بالشك بناء على عدم حجية الظن المطلق، و بالعلم بناء على حجيته.
و لا إشكال في تقديم العرف في الصورة الاولى، و لا في تقديم اللغة في الثانية، بل إنما الخلاف في الصورة الثالثة، حيث ذهب المشهور فيه إلى تقديم العرف، منهم صاحبي القوانين «1» و الفصول «2» و بعضهم إلى تقديم اللغة، كما عن
__________________________________________________
(1) القوانين 1: 36.
(2) الفصول: 39.
تقريرات في أصول الفقه، ج1، ص: 137
صاحب المدارك «1» قدس سره، و بعضهم إلى التوقف كما عن الشهيد في القواعد «2».
حجة القول الأول وجوه: عمدتها الاستقراء، و يقرر تارة بانطباق أكثر خطابات أهل اللسان سيما خطابات الشرع على العرف، كما يشهد به التتبع في ألفاظ الكتاب و السنة، فيحمل المشكوك و هو خطاب الشرع بالأعم الأغلب، و تارة اخرى بتشابه الأزمان، فإن أكثر محاورات الأزمنة اللاحقة مطابقة لمحاورات ما يقرب منه من الأزمنة السابقة، فيلحق المشكوك و هو زمان الشارع بالأعم الأغلب.
و من جملة الوجوه: استبعاد مخالفة هذا العرف لعرف الشارع، إذ لم يمض إلا قليل من الأزمان، و التخالف يحتاج إلى زمان طويل، فإن اجتماع جميع العرف و تواطئهم على النقل في زمان يسير بعيد إذا لم يكن محالا، حتى توهم بعض العامة و أخبارية الخاصة على ما حكي عنهم إنكار وجود العرفية العامة رأسا و قد مر ردهم في محله.
و من جملة الوجوه: جريان طريقة أهل العرف و اللسان في حمل المكاتيب و المراسيل و الوصايا الواصلة بأيديهم من الأزمنة السابقة و المساوقة لزمان الشارع على العرف العام من غير فحص عن معانيها اللغوية.
و من جملة الوجوه: شهرة تقديم العرف على اللغة حتى ادعى غير واحد اتفاق جميع الاصوليين عليه.
أقول: لا إشكال في شيء من هذه الوجوه. إنما الإشكال في حجية الظن الحاصل منها، حيث إنه مبني على الالتزام بكون الظن الاستقرائى في مباحث الألفاظ من الظنون الخاصة التي قام عليه بناء العرف و العقلاء و إن لم يكن من الظنون الخاصة في خصوص الأحكام، كما ادعى عليه الاتفاق غير واحد من
__________________________________________________
(1) مدارك الأحكام 1: 53.
(2) القواعد و الفوائد 1: 158.
تقريرات في أصول الفقه، ج1، ص: 138
الأجلة، أو على الالتزام بانسداد باب العلم في معظم أوضاع ألفاظ السنة و الكتاب كما هو غير بعيد.
حجة القول الثاني: الأصل، و يقرر تارة بأصالة تأخر الحادث و هو النقل عرفا فيرجع إلى الاستصحاب العدمى، و تارة باستصحاب بقاء اللغة و عدم هجره في زمان الشارع المشكوك بقائه فيه، فيرجع إلى الاستصحاب الوجودي.
و فيه: أن مستند حجية الاستصحاب إما الاخبار، أو الظن، أو بناء العقلاء تعبدا، و على كل تقدير لا ينهض حجة فيما نحن فيه.
أما على الأول فلعدم نهوض الأخبار على حجية الأصل المثبت.
و أما على الثاني فلأن الظن الحاصل من الأصل معارض بالظن الحاصل من الشهرة.
و أما على الثالث فلأن بناء العقلاء معارض ببناء مشهور العقلاء على خلافه.
و التحقيق أنه إن كان المراد من اللغة هو اللغة الواصلة إلينا من متون كتب اللغة المتداولة في يومنا هذا كما صرح به بعضهم، فالحق مع تقديم اللغة. لأن نقل متون كتب اللغوية التي كان المقصود من تدوينها ضبط ألفاظ الكتاب و السنة إنما كان في أواسط زمن الشرع أو بعده بقليل.
و إذا كان كذلك فلا بد أن يكون المبين في تلك الكتب هو المعاني المتعارفة في زمن الشرع و المتداولة في محاورات عرفه، و حينئذ فيجب تقديم هذه اللغة في ألفاظ الكتاب و السنة على العرف المعارض له، لرجوعه في الحقيقة إلى تعارض العرف اللاحق مع العرف السابق القريب من زمن الشارع، و كان مقصود المشهور من تقديم العرف هو تقديم هذه اللغة، كما يومئ بعض أدلتهم من الاستقراء و غيره.
و إن كان المراد من اللغة هو لغة زمان يعرب بن قحطان التي وضعها هو، أو الخالق تعالى، فالحق مع تقديم العرف و كان مقصود القائلين بتقديم اللغة هو تقديم
تقريرات في أصول الفقه، ج1، ص: 139
هذا العرف، كما صرح به بعضهم [منهم] صاحب الضوابط «1» و إن كان استدلالهم عليه بالأصل يقتضي خلافه فتدبر.
تنبيهان: الأول: حكي عن العلامة «2» رحمه الله أن من فروع المسألة حنث الحالف أن لا بنيت. باستيجار أحد على البناء له و إن لم يباشر الحالف البناء بنفسه، بناء تقديم العرف عند تعارضه مع اللغة، و عدم حنثه بغير المباشرة، بناء على تقديم اللغة، فإن فعل البناء لغة حقيقة في المباشرة و عرفا لمطلق الفعل المستند إليه و لو بالواسطة، و حكي عن الشهيد «3» رحمه الله جزمه بالحنث، لجزمه بتقديم العرف على اللغة عند التعارض مستدلا عليه بأنه أي العرف ناسخ و لسبقه إلى الذهن. انتهى.
و لكن لا يخفى أن مستند الحنث في المسألة ليس تقديم العرف على اللغة عند تعارضهما حتى يكون من فروع المسألة المتنازع فيها، بل مستنده إنما هو تقديم العرف على اللغة المهجورة، كما ينادي به تمسكه بناسخية العرف و سبقه إلى الذهن، و هو من الاتفاقيات الخارجة عن محل النزاع في تقديم العرف عند تعارضه مع اللغة، و قد صدر مثل ذلك أيضا من سائر الأجلة، حيث تصدى للاستدلال على تقديم العرف على اللغة المهجورة زاعما أنها المسألة المتنازع فيها المعبر عنها بتعارض العرف و اللغة، و لم يتفطن أنها من الاتفاقيات الخارجة عن محل النزاع.
التنبيه الثاني: أنه بعد اختلافهم في مسألة تعارض العرف و اللغة على أقوال اتفقوا في حمل المطلق على الفرد الشائع مع كونه قسما من مسألة تعارض العرف و اللغة أو نظيرها، و أما تجويز السيد رحمه الله غسل المتنجس بالماء المضاف «4»
__________________________________________________
(1) ضوابط الاصول: 18.
(2) ارشاد الأذهان 2: 85.
(3) غاية المراد و نكت الارشاد: 252 (مخطوط).
(4) نسبه إليه في المدارك 1: 112 و قال: «خالف في ذلك [أي في عدم جواز الغسل بالماء المضاف] المرتضى رحمه الله في شرح الرسالة»، و في المعتبر 1: 82 نقلا عنه في شرح
تقريرات في أصول الفقه، ج1، ص: 140
تمسكا بإطلاق قوله عليه السلام: اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه «1» فليس من جهة بنائه على عدم جواز حمل المطلق على الأفراد الشائعة كما نسبوا إليه، بل من جهة بنائه على أن إلحاق بعض الأفراد النادرة كماء النفط و الكبريت بالفرد الشائع و هو الماء المطلق في حكم جواز الغسل إجماعا قرينة خارجية على إرادة المطلق دون الفرد الشائع.
و مما يشهد على ذلك أمران: أحدهما: كلامه المحكي عنه في المختلف «2» من أن سند جوازه الغسل بالماء المضاف هو الإجماع على جوازه بماء النفط و الكبريت بناء منه على أن إلحاق بعض الأفراد النادرة بالفرد الشائع في الحكم قرينة إرادة المطلق و جواز التعدي إلى جميع الأفراد النادرة و إن احتمل كون مستنده هو عدم تجويزه حمل المطلق على الفرد الشائع، كما توهمه بعض من نسب إليه جواز الغسل بالماء المضاف.
ثانيهما: ما نسب إليه الفقهاء من أنه لا يعد من المفطرات أكل الحصاة «3» و نحوه مما يندر أكله، نظرا إلى انصراف الأكل المفطر إلى كل الأشياء المتعارفة، و هذا الأمر نص منه أيضا على حمله المطلق على الفرد الشائع.
فثبت الإشكال من اختلافهم في مسألة تعارض العرف و اللغة على أقوال مع اتفاقهم على قول واحد في حمل المطلق على الفرد الشائع، و الحال أنه قسم من مسألة تعارض العرف و اللغة بناء على أن الموجب لحمله على الشائع كون الشيوع موجبا لكونه مجازا مشهورا فيه، أو موجبا لتيقن إرادته
__________________________________________________
الرسالة «يجوز عندنا إزالة النجاسة بالمائع الطاهر غير الماء». و قد تعرض السيد رحمه الله لهذه المسألة في الناصريات ضمن القواعد الفقهية ص 219- سطر 2.
(1) الوسائل 2: 1008 ب «8» من أبواب نجاسة البول ح 2.
(2) المختلف 1: 225.
(3) رسائل الشريف المرتضى، المجموعة الثالثة: 54.
تقريرات في أصول الفقه، ج1، ص: 141
منه، أو قرينة على إرادته منه.
و وجه كون الفرد الشائع قسما من المنقولات العرفية العامة على التقديرين الأولين هو بلوغ الشيوع فيه إلى حد الحقيقة و عدم انحصار الحقيقة العرفية في خصوص ما يكون بين المنقول و المنقول عنه تباين كلي، بل قد يحصل بين المطلق و فرد منه أيضا.
و وجه كونه نظيرها على التقدير الأخير أنه و إن لم يبلغ الشيوع فيه إلى حد الحقيقة حتى يندرج في العرفية العامة، إلا أن كل ما ينهض حجة لتقديم العرف على اللغة في تلك المسألة من الاستقراء و غيره ينهض حجة على تقديم الفرد الشائع على غير الشائع في هذه المسألة، و كل ما ينهض حجة على تقديم اللغة من أصالة تأخير العرف و غيره ينهض حجة على تقديم المطلق أيضا لأصالة تأخير شيوعه في الفرد، هذا كله في تقرير إشكال الفرق بين المسألتين المختلفتين.
و أما تقرير اندفاع الإشكال فبأن الفرق هو أن الكلام في مسألة تعارض العرف و اللغة صغروي أعني: في تشخيص زمان تحقق العرف هل هو بعد زمان الشرع أو قبله، و في مسألة المطلق المنصرف إلى الفرد الشائع كبروي، أعني: في تشخيص حمله على الفرد الشائع و عدمه بعد تسليم أن زمان تحقق الشيوع كان قبل زمان الشرع.
و وجه تسليم تحقق الشيوع قبل زمان الشرع في مسألة حمل المطلق على الفرد الشائع و عدم تسليمهم تحقق النقل في العرف العام قبل زمان الشارع في مسألة تعارض العرف و اللغة هو أن سبب تحقق شياع الفرد هو غلبة الوجود غالبا، و سبب تحقق النقل هو غلبة الاستعمال غالبا، و من المعلوم أن سببية الأول و عليته لا يتفاوت بين الزمان اللاحق و الزمان السابق، فلا مسرح لمدخلية كثرة الزمان و قلته في سببية غلبة الوجود و عليتها في تحقق انصراف المطلق إلى الفرد الشائع،
تقريرات في أصول الفقه، ج1، ص: 142
بخلاف غلبة الاستعمال، فإن كثرة الزمان و قلته دخيل في سببيته و عليته الموجبة لتحقق النقل في العرف العام، سيما لو اعتبرنا في تحقق العرف العام اجتماع الكل على النقل، لا الاكتفاء باجتماع معظم أهل اللسان.
[أصل فى تعارض عرف السائل و المسئول]
اعلم أن ما ذكر من تقديم عرف المتكلم إذا كان له عرف خاص، و من حمل اللفظ على المعنى اللغوي إذا لم يكن له معنى عرفي، و على العرفي إذا لم يكن له معنى لغوي، و من تقديم اللغة إذا عارضه العرف العام في ألفاظ الشارع إنما هو إذا لم يختلف عرفي السائل و المسئول و بلد السؤال، كما في صورة اتحاد عرف السائل و المسئول و بلد السؤال كتكلم المدنيين باللفظ المدني في بلد المدينة.
أو في صورة اتحاد عرفي السائل و المسئول و عدم عرف لبلد السؤال في ذلك اللفظ كتكلم العربيين باللفظ العربي في بلد الفرس.
أو في صورة اتحاد عرفي السائل و البلد و عدم عرف للمسئول.
أو في صورة اتحاد عرفي المسئول و البلد و عدم عرف للسائل.
أو في صورة وجود عرف فيه للسائل فقط دون المسئول و البلد.
أو للمسئول فقط دون السائل و البلد.
أو للبلد فقط دون السائل و المسئول.
أو في صورة عدم عرف للسائل و لا المسئول و لا البلد في ذلك اللفظ المستعمل كتكلم الفارسيين في بلد الفرس باللفظ العربي.
و أما إذا اختلف عرفي السائل و المسئول و البلد، فاختلفوا في تقديم أيها على أقوال، و هي المسألة المعروفة بتعارض عرفي السائل و المسئول، و يتصور
تقريرات في أصول الفقه، ج1، ص: 143
الاختلاف على سبعة صور كما قد تصور الاتحاد على ثمانية.
أحدها: أن يختلف عرفي السائل و المسئول و البلد جميعا.
ثانيها و ثالثها: أن يختلف عرفي السائل و المسئول مع عدم عرف للبلد، أو وجود عرف موافق لأحدهما.
و رابعها و خامسها: أن يختلف عرفي السائل و البلد مع عدم عرف للسائل، أو وجود عرف موافق لأحدهما.
سادسها و سابعها: أن يختلف عرفي المسئول و البلد مع عدم عرف للسائل، أو وجود عرف موافق لأحدهما.
و كيف كان ففي تقديم عرف السائل أو المسئول أو البلد مطلقا، أو إن وافق عرف السائل، أو إن وافق عرف المسئول، أو إن وافق عرف أحدهما، أو الوقف.
وجوه، بل أقوال.
و التحقيق أن كل من السائل و المسئول إما عالم باصطلاح الآخر أو جاهلان أو مختلفان. ثم المسئول العالم باصطلاح السائل إما أن يعتقد علم السائل باصطلاحه، أو عدم علمه أو يشك أو لا يلتفت، إلى غير ذلك من الأقسام، و المرجع في الكل بناء العرف أو حكم القوة العاقلة.
و تفصيل ذلك أن يقال: أما الحكم في صورة كون المسئول جاهلا فهو تقديم عرف المسئول مطلقا، إذ لا يمكن إرادة المصطلح المجهول، فالحمل عليه غير معقول.
و أما الحكم في صورة كونه عالما فإن اعتقد علم السائل باصطلاحه، أو لم يلتفت بعلمه قدم المسئول أيضا، لبناء العرف و أقربية كل عادة إلى طبع معتاده، سيما في صورة عدم التفاته إلى عادة غيره.
و إن اعتقد عدم علمه قدم عرف السائل، لاستلزام الحمل على غيره الإغراء
تقريرات في أصول الفقه، ج1، ص: 144
بالجهل و لغوية كلام المسئول.
و إن كان شاكا فالتوقف و الرجوع إلى المقربات الخارجية إن وجدت و إلا فإلى الاصول.
حجة القول بتقديم عرف المسئول مطلقا اقتضاء طبع المعتاد موافقة عادته دون عادة غيره و استلزام إرادة المسئول من لفظه عرف غيره التجوز في اللفظ.
و الجواب عن الأول أن المقتضي قاض ما لم يمنعه مانع، و قد عرفت أن استلزام اللغوية و الإغراء بالجهل في بعض الصور مانع أي مانع.
و عن الثاني أولا بمنع الملازمة، فإن التجوز هو استعمال اللفظ في غير ما وضع له في اصطلاح المتخاطبين معا، و أما استعماله في غير ما وضع له في اصطلاح المتكلم دون المخاطب فليس بمجاز، بل هو من باب التبعية في الاستعمال، نظير تكلم العجمي بالعربي و العربي بالعجمي، و لهذا لو فقد العلاقة لم يستهجن الاستعمال.
و ثانيا بمنع بطلان اللازم فإن اللغوية و الإغراء بالجهل اللازم من الحمل على عرف المسئول في بعض الصور قرينة صارفة عنه قطعا.
حجة القول بتقديم عرف السائل مطلقا أن حكمة وضع الألفاظ و هو التفهيم يقتضي الحمل على عرف السائل و أن قوله تعالى: و ما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه «1» يقتضي ذلك.
و الجواب عن الأول أن جهل المسئول بعرف السائل في بعض الصور مانع عن إطلاق اقتضاء المقتضي.
و عن الثاني أولا: إن عرف المسئول من لسان القوم أيضا، فإن المراد من
__________________________________________________
(1) إبراهيم: 4.
تقريرات في أصول الفقه، ج1، ص: 145
لسانهم مطلق ما ينطقون به و لو تبعا لغيرهم، لا ما يختص وضعه بهم.
و ثانيا: سلمنا، لكن التكلم بلسان القوم مطلقا من خصائص الرسل العالمين بلسان القوم و موضوع المسألة أعم منهم و من الجاهلين به.
حجة القول بتقديم عرف البلد مطلقا أو تفصيلا: أن البلد قرينة مقامية على تقديم عرفه.
و فيه: أن البلد من حيث هو لم يثبت قرينيته عرفا إلا بمعونة أمر خارجي كتطابق الجواب للسؤال و نحوه، هذا تمام الكلام في حكم المسألة.
و أما موضوعها فقد اشتهر التمثيل له بمرسلة ابن أبي عمير حيث سئل المعصوم عن الكر في مكة و السائل عراقي «1».
و فيه: أنه ليس مثلا لما نحن فيه، لأن ابن أبي عمير ليس هو سائلا، بل راو عن بعض أصحابه المجهول حال عرفه، و على ذلك فلا حاجة لنا إلى ادعاء وجود القرينة في جواب المعصوم بقوله: ستة مائة رطل، حيث لا يمكن حمله إلا على الرطل المكي الذي هو ضعف العراقي، إذ لعل السائل مكي جاهل بعرف المسئول، فاجيب على طبق عرفه حذرا من الإغراء بالجهل، فيكون الجواب على طبق القاعدة، لا خارجا عنها حتى يحتاج إلى دعوى القرينة، كما ارتكبه المشهور.
ثم إن الكلام في حكم اللغة و العرف العام و العرف الخاص و تعارض كل منهما مع الآخر قد عرفته تفصيلا بما لا مزيد عليه.
بقي الكلام في التعرض لوجود كل من الحقائق الثلاث.
فنقول: أما الحقيقة اللغوية فلا إشكال و لا ريب، بل لا خلاف في وجودها كالفاضل و السخي و الغني، و غير ذلك مما لا يحصى.
__________________________________________________
(1) الوسائل 1: 123 ب «11» من أبواب الماء المطلق ح 1.
تقريرات في أصول الفقه، ج1، ص: 146
و أما الحقيقة العرفية العامة فتارة يطلق على ما يباين اللغوية، و تارة على ما يعمها، و من الإطلاق الثاني قولهم: الأمر حقيقة في الوجوب عرفا، فكذا لغة بأصالة عدم النقل، و من الإطلاق الأول المنقولات العرفية كالدابة المنقولة في ذي القوائم الأربع بعد وضعها لغة لكل ما يدب على الأرض و القارورة المنقولة في الزجاجة بعد وضعها لغة لكل ما يقر فيه الشيء.
و قد يتوهم لها أمثلة اخرى، فمنها: ما يظهر من بعضهم أن «لا» في مثل «لا صلاة إلا بطهور» «1» و «لا صيام لمن لم يبت الصيام من الليل» «2» و «لا نكاح إلا بولي» «3» حقيقة عرفية، حيث إنها في مثل هذه الأمثلة لنفي الصحة و الفائدة لا لنفي الذات و الجنس الذي هو المعنى اللغوي.
و فيه: منع كون «لا» حقيقة عرفية عامة في نفي الصحة و الفائدة، بل هي عرفية خاصة على القول بأن ألفاظ العبادات حقيقة في الصحيح و مجاز لغوي على قول الأعمي، كما في قولهم: «لا علم إلا ما نفع» و «لا كلام إلا ما أفاد»، و قرينته أقربية الصحة و الفائدة إلى الحقيقة من نفي الكمال الذي ثبت في مثل «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» «4» بقرينة الإجماع.
و منها: ما يظهر من القوانين «5» في بحث المجمل و المبين من أن مثل «قبلت زيدا» و «ضربت رجلا» و «نمت ليلة» و «عملت يوما» حقائق عرفية في هذه التراكيب، إذ المراد من زيد وجهه، و من الرجل رجله، و من اليوم و الليلة القدر المتعارف، ردا على من توهم الاشتراك أو التجوز في المفعول أو في الإسناد إليه.
__________________________________________________
(1) الوسائل 1: 256 ب «1»، من أبواب الوضوء ح 1.
(2) مستدرك الوسائل 7: 316 ب «2»، من أبواب وجوب الصوم ح 1.
(3) مستدرك الوسائل 14: 317 ب «5»، من أبواب عقد النكاح ح 1.
(4) مستدرك الوسائل 3: 356 ب «2»، من أبواب أحكام المساجد ح 1.
(5) القوانين 1: 336، 337.
تقريرات في أصول الفقه، ج1، ص: 147
و فيه: أن هذه التراكيب باقية على حقائقها اللغوية و ليست بمنقولات عرفية، كما أنها ليست بمجازات في شيء.
و ذلك لأن مطلق الأفعال موضوعة بحسب اللغة للإسناد إلى فاعل ما و الوقوع على مفعول ما في الجملة لا على وجه الاستيعاب خاصة كالغسل و الأكل و نحوهما، و على ذلك فيكفي في صدق الإسناد إلى الفاعل و الوقوع على المفعول حصول الضرب من بعض أعضاء زيد و وقوعه على بعض أعضاء عمرو في مثل:
ضرب زيد عمروا.
و منها: ما نسب إلى بعض من أن إطلاق ألفاظ الموازين و المقادير على الناقص و الزائد بيسير من باب الحقيقة العرفية، و الحق بقائها في المقادير و الموازين المعينة لها لغة، للتبادر في التمام و عدم صحة السلب عن الزائد و الناقص، مضافا إلى أصالة عدم النقل، فإطلاقها على ما دون أو على ما زاد إنما هو على سبيل الادعاء الناشئ عن التشبيه و المسامحة، كما في سائر أفراد الاستعارات التي هي حقائق لغوية عند السكاكي و مجازات لغوية عند المشهور.
و التحقيق عندنا أنه إن استعمل اللفظ في المعنى المشبه بعد ادعاء أنه من أفراد المشبه به فالحق مع المشهور، لأن التصرف في أحوال اللفظ، و إن استعمل اللفظ في المعنى المشبه به ثم انضم إليه الادعاء المذكور فالحق مع السكاكي، لأن التصرف في أمر عقلي.
و لما كان الاستعمال على كل من الوجهين أمر في يد المعتبر كان الحري قلب النزاع إلى النزاع في الصغرى، أعني: النزاع في كون المعتبر في استعمالات العرف و محاورات أهل اللسان أي الوجهين.
و أما العرف الخاص بغير الشارع من أرباب الحرف و الصنائع فلا إشكال و لا خلاف أيضا في وجوده وجود شائع ذائع.
تقريرات في أصول الفقه، ج1، ص: 148
و أما العرف الخاص بالشارع ففي وجوده خلاف معروف و نزاع شائع و هي الحقیقة الشرعیة
****************
الحقیقة العرفیة
نهاية الوصول الى علم الأصول، ج1، ص: 244
البحث الثاني: في الحقيقة العرفية
اعلم أنه قد تخطر معان يفتقر إلى التعبير عنها لم يوضع لها ألفاظ في اللغة كما بيناه، فيضطر إلى اختراع ألفاظ لها.
لكن لما كرهوا الخروج عن قانون اللغة، التجئوا إلى سلوك طريق يجمع تحصيل مطلوبهم، و التزام قانون اللغة، فعمدوا إلى كل لفظ موضوع لمعنى يناسب معناه الذي طلبوا التعبير عنه، فنقلوه إليه، إذ كان ذلك جريا على قانون اللغة، و لم يخترعوا لتلك المعاني ألفاظا من عندهم، للعلة المذكورة.
فإن غلب استعمالهم في المعنى الثاني، صار حقيقة عرفية، إما بالعرف العام أو الخاص.
فإن أهمل الأول صار استعمال اللفظ فيه مجازا عرفيا و إن كان حقيقة لغوية و لا نزاع في تجويز ذلك، و إنما الخلاف في الوقوع، و الحق ثبوته، لوجود القدرة و الداعي.
و اعلم أن العرف العام منحصر في أمرين:
الأول: اشتهار المجاز بحيث يصير حقيقة عرفية، فيستنكر استعمالها، و جهات المجاز متعددة تأتي، كحذف المضاف و إقامة المضاف إليه، كتحريم الخمر، و هو بالحقيقة مضاف إلى الشرب، و كتسمية الشيء باسم شبيهه، كما يطلق كلام زيد على حكايته، و كتسمية المتعلق باسم المتعلق، كقضاء الحاجة بالغائط الذي هو في اللغة للمكان المطمئن، و كتسمية
نهاية الوصول الى علم الأصول، ج1، ص: 245
المزادة بالرواية التي هي اسم الجمل الحامل لها.
الثاني: تخصيص الاسم ببعض مسمياته كالدابة المشتقة من الدبيب، و اختصت ببعض البهائم، و الملك مأخوذ من الألوكة و هي: الرسالة، و اختص ببعض الرسل، و الجن من الاجتنان و اختص بالبعض، و القارورة لما يستقر فيه الشيء، و الخابية لما يخبأ فيه، و اختصا بالبعض.
فالتصرف عرفا إنما هو على أحد الوجهين، فلا يجوز إثبات ثالث، و إنما كانت هذه حقائق عرفية، لوجود علامات الحقيقة فيها.
و أما [العرف] الخاص، فهو ما لكل قوم من العلماء من اصطلاحات اختصوا بها، كما اختص الفقهاء بالنقض و الكسر «1» و غيرهما، و المتكلمون بالجوهر و العرض و غيرهما، و النحويون بالرفع و النصب و غيرهما، و هو معلوم قطعا.
القواعد و الفوائد في الفقه و الاصول و العربية، ج1، ص: 158
فائدة «1» من فروع الحقيقة اللغوية و العرفية: لو علق الظهار على تمييزها نوى ما أكلت عما أكل،
أو على اخبارها بعدد ما في الرمانة من الحب، أو ما في البيت من الجوز، ففي الحمل على الوضع، أو العرف، تردد، فعلى الأول: لو فرقت النوى كل واحدة على حدتها، أو عدت عددا يتحقق فيه أنه لا ينقص عنه و لا يزيد عليه، تخلصت من الظهار، و على الثاني لا بد من التعين و التعريف الحقيقي.
معالم الدين و ملاذ المجتهدين، ص: 34
أصل
لا ريب في وجود الحقيقة اللغوية و العرفية و أما الشرعية فقد اختلفوا في إثباتها و نفيها فذهب إلى كل فريق و قبل الخوض في الاستدلال لا بد من تحرير محل النزاع.
معالم الدين و ملاذ المجتهدين، ص: 35
فنقول لا نزاع في أن الألفاظ المتداولة على لسان أهل الشرع المستعملة في خلاف معانيها اللغوية قد صارت حقائق في تلك المعاني كاستعمال الصلاة في الأفعال المخصوصة بعد وضعها في اللغة للدعاء و استعمال الزكاة في القدر المخرج من المال بعد وضعها في اللغة للنمو و استعمال الحج في أداء المناسك المخصوصة بعد وضعه في اللغة لمطلق القصد و إنما النزاع في أن صيرورتها كذلك هل هي بوضع الشارع و تعيينه إياها بإزاء تلك المعاني بحيث تدل عليها بغير قرينة لتكون حقائق شرعية فيها أو بواسطة غلبة هذه الألفاظ في المعاني المذكورة في لسان أهل الشرع و إنما استعملها الشارع فيها بطريق المجاز بمعونة القرائن فتكون حقائق عرفية خاصة لا شرعية
هداية المسترشدين ( طبع جديد )، ج1، ص: 401
[الحقيقة اللغوية و العرفية]
قوله: لا ريب في وجود الحقيقة اللغوية ... الخ
لما كانت الحقائق المذكورة معروفة حكم بوجود الأولين و ذكر الخلاف في الثالثة من دون إشارة الى تعريفها، و ما تقدم من بيان المنقول اللغوي و العرفي و الشرعي لا ربط له بها؛ فإن الحقائق المذكورة أعم منها.
و قد يعرف الحقيقة اللغوية بأنها اللفظ المستعمل فيما وضع له بحسب اللغة، و الحقيقة العرفية بما استعمل فيما وضع له لا بحسب اللغة.
و الموضوع له في الأول يعم جميع المعاني اللغوية المتعددة للفظ الواحد و إن تقدم بعضها على البعض، بل و لو كان وضعه للثاني مع هجر الأول، كما في المنقول اللغوي.
و استظهر بعض المحققين من كلام علماء الاصول و البيان أن المعتبر في الحقيقة اللغوية كونها أصلية غير مسبوقة بوضع أصلا، و على هذا يلزم أن لا يتحقق مشترك لغوي إلا مع فرض تقارن الوضعين، و هو كما ترى، و هو أيضا يعم الأوضاع المهجورة و الباقية و إن كان المعنى المهجور مجازا بالنسبة الى المعنى الطارئ؛ إذ لا منافاة بين الحقيقة اللغوية و المجاز العرفي و لا ينتقض الحد به باعتباره الثاني؛ لاعتبار الحيثية فيه.
و الوضع في الثاني يعم الأوضاع التعيينية و التعينية الملحوظة فيها المناسبة للمعنى اللغوي و غيره فيندرج فيها المنقولات و المرتجلات العرفية و يندرج فيه أيضا الأوضاع العرفية المهجورة و غيرها.
و ربما يعزى الى ظاهر البعض اعتبار بقاء الوضع في الحقيقة العرفية، فيخرج عنه المهجورة، و هو ضعيف و إدراجه إذن في الحقيقة اللغوية أضعف.
و ظاهر الحد المذكور اندراج الألفاظ المستحدثة في العرفية، و هو غير بعيد؛ لخروجها عن حد اللغوية و جعلها واسطة من البعيد، فالأولى إدراجها في العرفية، و قد قطع به بعض المحققين، و على هذا لا يستلزم الحقيقة العرفية الحقيقة اللغوية، و لا الموضوع اللغوي كما لا ملازمة في العكس.
هداية المسترشدين ( طبع جديد )، ج1، ص: 402
و ربما يظهر من بعضهم «1» اعتبار طرو الوضع الجديد على الوضع الأصلي في الحقيقة العرفية، و حينئذ يخرج الألفاظ المذكورة عنها.
و عليه أيضا لا يثبت الملازمة بين الحقيقتين في شيء من الجانبين؛ إذ لا ملازمة بين الوضع و الاستعمال إلا أنه حينئذ يستلزم الحقيقة العرفية الموضوع اللغوي.
و ظاهر الحد المذكور و غيره إدراج الأعلام الشخصية المتجددة في الحقيقة العرفية.
و أما القول بأن ظاهرهم حصر العرفية في العامة و الخاصة و هي غير مندرجة في شيء منهما- أما الأول فظاهر، و أما الثاني فلتصريحهم بكون الوضع فيها من قوم أو فريق و الأعلام الشخصية إنما يكون الوضع فيها غالبا من واحد، و أيضا استعمال الأعلام في مسمياتها حقيقة من أي مستعمل كان و العرفية الخاصة إنما يكون حقيقة لو كان المستعمل لها من أهل ذلك الاصطلاح- فيمكن المناقشة فيه أولا: بمنع الحصر، و كما أن ظاهرهم حصر العرفية في العامة و الخاصة فكذا ظاهرهم حصر الحقيقة في اللغوية و العرفية فأي داع للقول بثبوت الواسطة بين الأخيرتين دون الاوليين.
و ثانيا: بالتزامه و إدراجها في العرفية الخاصة، و اعتبار كون الوضع فيها من قوم أو فريق غير ثابت، بل الظاهر خلافه كما هو قضية حد العرفية، و ورود مثل ذلك في كلامهم مبني على الغالب.
و القول بأن الحقيقة العرفية الخاصة إنما تكون حقيقة إذا كان المستعمل من أهل الاصطلاح محل منع، بل الظاهر أنه إذا استعمل في كلام أهل ذلك الاصطلاح و كل من تابعهم في ملاحظة ذلك الوضع كان حقيقة كما هو الشأن في جميع الحقائق من غير فرق.
__________________________________________________
(1) صاحب الوافية. (منه رحمه الله).
هداية المسترشدين ( طبع جديد )، ج1، ص: 403
نعم، هناك فرق بين وضع الأعلام الشخصية و غيرها من الحقائق العرفية، نظرا الى وقوع الوضع فيها بحسب صناعة مخصوصة أو اصطلاح أقوام مخصوصين و عدم اعتبار ذلك في وضع الأعلام، و لذا لا يتفاوت الحال فيها باختلاف الصناعات و الاصطلاحات بل اللغات أيضا، لعدم اختصاص الوضع فيها بشيء من ذلك، و لا ينافي ذلك كونها عرفية خاصة، نظرا الى صدور الوضع فيها من خاص و تبعية غيره فيه. فتأمل.
نعم، ملاحظة ظاهر إطلاقاتهم يعطي خروج ذلك عن العرفية، و عدم اندراجها في اللغوية ظاهر، فتكون واسطة بين الأمرين، و كأنه لعدم تعلق غرض بها لم يعتنوا بشأنها و لم يجعلوها قسما برأسه، و حينئذ ينبغي زيادة قيد آخر في حد العرفية هذه ليخرج ذلك عنها، و ربما يجعل ذلك مندرجا في العرفية مغايرا لأقسامها المعروفة، و لا يخلو عن بعد.
و قد يقال بخروجها عن الحقيقة و المجاز و تجعل واسطة بينهما، كما قد يعزى الى الرازي و الآمدي، و هو ضعيف جدا؛ لعدم انطباقه على شيء من حدود الحقيقة و المجاز الواردة في كلمات علماء الاصول و البيان، و ربما يؤول ما عزي اليهما بما يوافق المشهور.
ثم إن الحقيقة العرفية إما عامة، أو خاصة، و المناط في عموميتها عدم استناد الوضع فيها الى عرف شخص مخصوص أو فرقة معينة، و عدم كون وضعها في صناعة مخصوصة و حرفة معينة- مثلا- فخصوصيتها إما أن يكون لكون وضعها في عرف شخص معين أو فرقة معينة أو لكونه في صناعة مخصوصة و نحوها و إن لم يكن الوضع فيها مستندا الى خاص، كما لو قلنا باستناد الوضع في الألفاظ الشرعية الى عامة استعمالات أهل الشريعة الشامل لكافة العرب بعد شيوع الإسلام، فإنه لا يجعلها عرفية عامة، فما يظهر من غير واحد من الأفاضل من اعتبار العمومية و الخصوصية بملاحظة من يستند الوضع اليه خاصة ليس على ما ينبغي.